خزانة سِتّي لطيفة: سبعة فساتين وحرية مختلفة
عندما أفكر في سِتّي لطيفة، أمّ زكي، أتذكر خزانتها الصغيرة. لم تكن مليئة بالملابس كما هي خزائننا اليوم. كان فيها سبعة فساتين فقط؛ واحد لكل يوم من أيام الأسبوع، وفستانان رسميان للمناسبات. في الواقع، كانت كل الفساتين تقريبًا بنفس الشكل ونفس القَصّة، وكان الفرق الوحيد بينها هو القماش؛ فهذا القماش للعمل اليومي، وذاك أنسب لزيارة أو مناسبة. لكن لكل فستان كانت سِتّي تحضّر شيئًا خاصًا؛ منديلًا مزخرفًا تخيطه بيديها، وتختار له الألوان والنقشات التي تناسب الفستان. كان المنديل، والأويا المزخرفة الملوّنة التي تطرّزها، يغيّران الفستان ويمنحانه رونقًا خاصًا. وكان المنديل الأخضر هو الرسمي من بينها، وهو الإرث الذي أحتفظ به حتى اليوم. أكثر ما أذكره عن جدّتي أنها كانت دائمة الرضا والامتنان، مهما اشتدّت الأزمات وضاقت الأيام. والأهم أنها لم تشعر يومًا أن خزانتها ناقصة، أو أن قطعة ملابس جديدة كفيلة بأن تحسّن مزاجها. كلما أفكر في خزانة سِتّي لطيفة، أدرك أنها لم تكن حالة فردية. هكذا عاشت كثير من نساء فلسطين في جيلها، بموارد محدودة، لكن بعلاقة عميقة مع ما حولهنّ؛ مع الأرض، والمواسم، والحِرف، والمواد، ومع القدرة على تحويل البقايا والخردوات إلى شيء جميل ومفيد. كانت تلك الحياة، ببساطتها، قريبة من معنى الاستدامة بالفطرة؛ استخدام كامل للموارد، وتقدير لما هو موجود، وإحساس بأن ما بين أيدينا ليس مجرد أشياء، بل جزء من عالمنا ونعمة نشكر عليها ونقدّرها. ربما من هنا تحديدًا بدأت أفهم أن هناك حرية مختلفة؛ حرية لا تأتي من كثرة الخيارات، بل من عمق العلاقة مع القليل المتاح. حين لا يكون الشيء مجرد غرض يُشترى ويُستبدل، بل امتدادًا لوقتٍ وجهدٍ وذاكرةٍ ويدٍ صنعت، يصبح حضوره أعمق، وتصبح قيمته أكبر. وحين يشعر الإنسان بالانتماء إلى الأرض وما تمنحه لنا، يصبح الحفاظ عليها مسؤولية جماعية لا فردية فقط. ولعلّ أكثر من فهم هذه العلاقة هنّ جدّاتنا؛ فقد كان الاستهلاك منضبطًا، لا لأن الحياة كانت أسهل، بل لأن العلاقة مع الأشياء كانت مختلفة. لم تكن الأشياء سريعة الزوال، بل كانت امتدادًا للحياة نفسها. لكن شيئًا ما تغيّر. تحوّلنا تدريجيًا من مجتمع يصنع ويزرع ويصلّح ويبادل، إلى مجتمع يشتري أكثر مما يحتاج. وربما لأننا فقدنا، في مكان ما، إحساسًا بالسيطرة على تفاصيل كثيرة في حياتنا، صرنا حين تضيق الخيارات الكبيرة نتمسّك بالخيارات الصغيرة. كثيرًا ما نشعر أن شراء شيء جديد قد يمنحنا لحظة خفيفة من الراحة؛ كأننا نرتّب شيئًا في داخلنا، أو نمسك بخيط صغير من السيطرة. نختار القطعة المحددة، بالشكل المحدد، واللون المحدد، ونوهم أنفسنا بأننا أحرار، نختار ما نريد. كأن خيارات الحياة تُختصر أحيانًا بما ندخله إلى خزائننا. لكن هذه اللحظة تمرّ بسرعة. وفي واقع نعيش فيه ضغطًا اقتصاديًا وشعورًا دائمًا بأننا نحتاج أن نثبت أنفسنا، تتحول الملابس أحيانًا إلى طريقة لنقول: نحن هنا. نحن نستحق. وتصبح المظاهر وسيلة لتعويض شيء أعمق لا يُشترى. وهكذا ندخل دائرة مفرغة من الاستهلاك؛ نشتري أكثر، لكن نشعر بالرضا أقل. حين أتذكر خزانة سِتّي لطيفة، أفكر أن المسألة لم تكن قلة خيارات فقط. أراها اليوم كتجربة شخصية تفتح سؤالًا أوسع عن علاقتنا بما نملك. ربما لم تكن جدّتي تفكر بالأمر بهذه اللغة، وربما لم تكن تسميه استدامة أو وعيًا استهلاكيًا، لكنها كانت تعيشه ببساطة؛ تلبس ما لديها، تعتني به، تضيف إليه من يدها، وتحفظ له قيمة لا تأتي من سعره فقط، بل من الذاكرة التي يحملها. اليوم، ونحن نعيش في عالم مختلف تمامًا، ربما لا نستطيع أن نعود كما كنا، لكن يمكننا أن نسأل أنفسنا: هل نستطيع أن نستعيد شيئًا من تلك العلاقة البسيطة مع الأشياء؟ هل يمكن أن تصبح الملابس مرة أخرى شيئًا نستخدمه ونعتني به، لا شيئًا نستهلكه بسرعة؟ هل يمكن أن نعيد ثقافة التبادل والمقايضة بيننا؛ أن نلبس من بعض، ونعطي لبعض، بدل أن نشتري كل شيء جديدًا؟ وربما السؤال الأهم: كيف يمكن لنا، كمجتمع، أن نعيد بناء علاقة مع الأرض والموارد تجعلنا أقل استهلاكًا وأكثر انتماءً؟ أحيانًا أفكر أن خزانة سِتّي لطيفة لم تكن صغيرة كما تبدو. ربما كانت، في الحقيقة، واسعة بما يكفي لعالم كامل من الرضا.




