ما الذي يجعل الأرض أرضًا؟ إعادة التفكير في علاقة الشباب بالبيئة والانتماء في المجتمع العربي
ما الذي يجعل الأرض أرضًا؟ إعادة التفكير في علاقة الشباب بالبيئة والانتماء في المجتمع العربي حنان شحادة ليست علاقة الشباب بالبيئة في المجتمع العربي علاقة سطحية يمكن اختزالها في حملات موسمية، بل هي علاقة مركّبة تمتد بين الذاكرة والواقع، وبين ما نعيشه وما نرغب فيه، وبين الإحساس بالانتماء والشعور بالخذلان. في هذه المساحة المتشابكة، لا يقف الشباب كفئة عمرية فحسب، بل كمرآة تعكس عمق هذا التوتر، وكإمكانية مفتوحة لإعادة تعريفه. من خلال سنوات العمل الميداني مع مجموعات شبابية مختلفة، يتضح أن السؤال البيئي لا يُطرح بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يعيشونه. فالبيئة بالنسبة لهم ليست مفهومًا مجردًا يتعلق بالطبيعة أو الاستدامة، بل هي الحيّ، الشارع، الساحة، المدرسة، وكل الفضاءات التي تشكّل تفاصيل حياتهم اليومية، وتحمل في الوقت نفسه تناقضات الحاضر وتحدياته. عند فتح نقاش حول الانتماء، تظهر تعقيدات لا يمكن تجاهلها. فبعض الشباب يعبّرون عن انقطاع واضح عن المكان، ليس بدافع اللامبالاة، بل نتيجة تراكمات من الإقصاء أو الإحباط أو الشعور بعدم القدرة على التأثير. في المقابل، هناك من يُظهر انتماءً مشروطًا، كأنهم مستعدون للارتباط بالمكان إذا شعروا أن هذا الارتباط متبادل، وأن لهم فيه مساحة للفعل. وهناك أيضًا من يحمل انتماءً عاطفيًا عميقًا، لكنه يفتقر إلى القنوات التي تسمح بتحويل هذا الشعور إلى ممارسة. هذه التباينات لا تعكس أزمة في الشباب بقدر ما تكشف خللًا في الطريقة التي نطرح بها علاقتهم بالمكان. حين يُطلب من الشاب أن "ينتمي" بوصفه واجبًا أخلاقيًا أو خطابًا توعويًا، دون أن تُمنح له أدوات الفهم أو مساحات الفعل، يتحوّل الانتماء إلى عبء، ويفقد قدرته على أن يكون تجربة حية تُبنى من خلالها العلاقة مع البيئة. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة السؤال نفسه: بدل أن نسأل كيف نجعل الشباب يهتمون بالبيئة، ربما علينا أن نسأل: كيف يمكن للبيئة أن تصبح مساحة لفهم أعمق للذات وللمجتمع؟ هذه النقلة تفتح إمكانيات مختلفة للعمل مع الشباب، تنطلق من تجارب بسيطة لكنها عميقة الأثر. فحين يُدعى الشاب إلى إعادة اكتشاف المكان من خلال تجربة حسية مباشرة—كالتمشي في الحي، تأمل تفاصيله، الاستماع إلى روايات كبار السن عن تاريخه، وملاحظة ما تغيّر—تبدأ عملية مختلفة بالتشكّل. هذه المسافة ليست انفصالًا عن المكان، بل شرطًا للفهم، تُمكّن الشاب من رؤيته ليس كمعطى ثابت، بل كمسار قابل للتشكّل. في هذه اللحظة، يتحوّل السؤال البيئي من كونه تقنيًا إلى سؤال وجودي: ما الذي يجعل هذا المكان صالحًا للحياة؟ وما الذي يهدد ذلك؟ ومن المسؤول؟ هذه الأسئلة لا تقود فقط إلى وعي بيئي، بل إلى وعي مدني وأخلاقي أوسع، يربط بين الفرد والمجتمع، وبين الحاضر والمستقبل. ومع تعمّق هذا الوعي، تظهر إمكانية الانتقال من الملاحظة إلى الفعل. ليس بالضرورة من خلال مبادرات كبيرة، بل عبر خطوات صغيرة ذات معنى: إعادة ترتيب مساحة عامة، إطلاق نقاش مجتمعي، أو حتى تغيير سلوك شخصي. الأهم هنا ليس حجم التأثير، بل إعادة تعريف موقع الشاب—من متلقٍ للواقع إلى شريك في تشكيله. يبقى التوتر قائمًا بين الانتماء والمشاركة: هل يحتاج الشاب إلى الشعور بالانتماء أولًا ليشارك، أم أن المشاركة هي التي تولّد هذا الشعور؟ التجربة تشير إلى أن العلاقة بينهما جدلية؛ أحيانًا يسبق الفعل الشعور، وأحيانًا يولّد الشعور الحاجة إلى الفعل. في هذا السياق، تتجاوز "الأرض" بعدها الرمزي لتصبح تجربة حسية وذاكرية: في الحارة، في الجلوس في الساحة، في الطرقات، وفي تفاصيل الحياة اليومية. هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تشكّل البنية العميقة للانتماء. في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما الذي يمكن أن يقدّمه الشباب للبيئة، بل ما الذي يمكن أن تكشفه البيئة لهم عن أنفسهم، وعن علاقتهم بمكانهم، وعن إمكانياتهم في التغيير. هنا تحديدًا تتشكّل إمكانية حقيقية لإعادة بناء الانتماء—ليس كفكرة جاهزة، بل كتجربة مستمرة من الفهم والفعل. وربما يبدأ كل شيء من تفصيل صغير: من شجرة زيتون، من ذكرى، أو من سؤال بسيط لم يُطرح من قبل. في هذه التفاصيل تكمن القدرة على إعادة فتح العلاقة مع الأرض، وتحويلها من علاقة صامتة إلى علاقة واعية، ومن حضور عابر إلى التزام فعلي.




