مقالات مهنية

جدليّة تكوين البيت وجمالية البيئة

من أهم ما يقومُ به الانسانُ في حياتِه اليوميّة هو صناعة محيطه وتكوينه بشكل مستدام يجعله يشعر بالأمان والراحة والطمأنينة داخله. لا ترتبط هذه العمليّة بحقّ الملكيّة او بتحقيق مطامحه الماديّة فحسب، بل ترتبط كذلك وبشكل عميق مع حاجة الشعور بالأمن الوجوديّ كون المحيط البيئيّ للإنسان يشكّل مركّبًا أساسيًّا في صياغة الأخير لمعنى حياته ومفهوم وجوده على الأرض. من هذه الحاجة انبثق معنى البيت الذي تتمُّ صياغتُه بشكل يوميّ بشكل واعٍ او غير واعٍ وفكرة البيتيّة التي تعكسُ توق الانسان الى تكوين حالة وجودية امنة اتجاه الخارج ومريحة اتجاه الداخل. فالبيت هو جدليّة خارجية وداخليّة تشكّل الواحدة الأخرى من أجل صناعة معاني وجدانيّة وثقافيّة ونفسيّة عميقة للمكان لا يتمّ التعبير عنها بشكل مباشر وواضح دائمًا، مع ذلك، نجد بثنايا هذه المعاني انعكاسات لهويّة صانعها بشكل عفويّ. - يتمُّ في السنوات الأخيرة صياغة هذه العمليّة بمصلح علميّ آخذ بالتوسّع وهو "تكوين البيت" (Homemaking). ما يحاولُ هذا المصطلح عكسَهُ وطرحَه هو انّ البيت ليس بمعطى سابق للوجود، انّما هو عمليّة تشكيل مستمرّة تأخذ مناحي وتخوض مسالك مختلفة وتتطوّر وفقًا للظروف المحيطة بصانِعها. ليست هذه العمليّة أداتيّة فحسب، بل عملية تكوين معقدّة لها ملابساتها وافكارِها وهواجِسها المتنوّعة والتي تأخذ انعكاس في شكلِ البيت، حجمه، بنائِه، طابِعه التصميميّ، رونقه الجماليّ وعلاقته بمحيطه المباشر وغير المباشر. انَّ عمليّة تكوين البيت تفترض بأساسها امكانيّة القيام بذلك بشكل حرّ وبظروف متاحة وان كانت خاضِعة لمحدوديات قانونيّة او سياسيّة او ماديّة تحدد شكلها واليتها. الواقع انّ هذا الافتراض يجعل العمليّة أكثر تعقيدا ومساءلة عندما تتمّ في ظروف غير متساوية بنيويًّا وسياسيًّا بشكل مُتعمّد، بل واحيانًا أكثر تحديًّا على المستوى الوجوديّ داخل ظروف معاديّة ترى بها السلطة الحاكمة خطرًا وتهديدًا وجوديًّا عليها. في مثل هذه الحالات لا تلبث عملية تكوين البيت فعل سياسيّ مهمّ، بل هوياتيّ وحضاريّ ووجوديّ في آنٍ واحد. تصبح عملية تكوين البيت عندما تحاط بقيود وتواجه تضييقيات او حتى تقع تحت التهديد، جزءًا لا يتجزأ من صراع الانسانِ من أجل البقاء، وبالتالي كلّ جانب داخلها يغدو انعكاسًا لإرادة تُعنى بالحفاظ على الرابط الطبيعيّ العميقّ بين الانسان وبين محيطه المباشر. في سياق من هذا النوع، تكوين البيت يصبح مساويًّا لتكوين الذات التي لا تعبّر فقط عن حضور ال"انا" بل كذلك حضور ال"نحن"، ما يُلحق انعكاسًا اضافيًّا لحالة مجتمعيّة وثقافيّة واسعة الإطار. هذه الارتباط بين الذات الخاصّة والذات الجمعيّة تنبع من كون البيت حِصنًا فرديًّا من جهة، لكنه ليس بمنقطع عن ارتباطه العميق بهويّته المجتمعيّة والتي لها جذورها التاريخيّة والحضاريّة التي تمنح لوجود الفرد معنى، يُفقد بتحصيل حاصل بدونها من جهة اخرى. ما يعنيه ذلك، انَّ عمليّة او حاجة تكوين البيت هي مقولة تتجاوز الانا الخاصّ لتعكس تطورّ تراكميّ حضاريّ وتاريخيّ متجذّر لا معنى لوجود الفرد داخله دون اخذه بعين الاعتبار. وان كانت عمليّة تكوين البيت بتعريفها الاوليّ تأخذ طابعًا فرديًّا، الا وانّه بشكل واعٍ او غافل، هي تحمل في داخلها انتمائها الحضاريّ والتاريخيّ والمجتمعيّ الفطريّ. هذا الامرُ يجعل الاستدلال والتعرّف على هويّة مجتمع من خلال النظر الى عمليّات تكوين البيت لفهم الملابسات والتحديّات التي تواجهها في ظروف تاريخيّة محددّة، ممكنًا وشرعيًّا. هذه النظرة لا بدّ ان تقع على شكل العمارة ومواصفاتها كمدخل اولّي لفهم الرؤية الواعيّة وغير الواعيّة لمجتمع معيّن، وعلاقته بذاته من جهة وبمحيطه من جهة أخرى. ليس فقط، بل وحتى النظرة الداخليّة الى البيت من الداخل من خلال الأثاث، الصور، اللوحات، السجّاد، والزينة الاضافيّة المُعتمدة، قد تُعرّف بالهويّة وتكشفُ عن تحديّاتها لما تضمنه هذه العناصر التصميميّة من انعكاسات للذات وتكوينها على مستويات مختلفة بدءًا من فهمها لفنسها ورؤيتها لهويّتها، هواجسها، امالها، احلامها ومطامحها وما تريدُ بالأصل ان تُخبرَهُ عن نفسها امامَ نفسِها وامامَ الاخرين. هذا يُسقط عن التصاميم الداخليّة عفويّتها ويُخرجها عن محدوديّتها الجماليّة لتصبح مدخلًا مهمًا لقراءة عميقة في هويّة الذوات المكوّنة لها. هذا صحيح ايضًا بما يتعلّق بالمحيط الخارجيّ للبيتِ وعلاقته به كون البيئة المحيطة للبيت والحيزّ العام المباشر وغير المباشر يشكّل جزءًا لا يتجزأ من البيت الخاصّ، بحيث يمنحه معنى لا يمكن الفصل بينهما. كما عناصر البيت الداخليّة، يغدو الحيزّ البيئيّ الخارجيّ وعناصره مُركِبًّا وجوديًّا وكيانيًّا لا معنى بدونه للبيت الخاصّ وتكويناته الشكلية والمعنويّة والجماليّة، وليس فقط موردًا ماديًّا واداتيًّا كما يُصَوَّر في كثير من الاحيان. الحقيقة أنَّ هذا المفهوم للبيئة في علاقتها مع البيت والهويّة، يتصادمُ في واقع ظواهر مجتمعيّة مُؤسِفة تنهش جمالية البيئة الطبيعيّة وتؤدي الى تآكلها كمورد يضفي رونقًا جماليًّا ومعنويًّا على فن العمارة الاخذ بالتطوّر. على رأس هذه الظواهر هي الهدر المكثّف لموارد من اجل إتمام بناء معماريّ معيّن. ولو كان هذا البناء يستجيب للمعايير الجماليّة، غالبًا ما يكون مفرط في حجمه وبالتالي في الانفاق الزائد لضمان تدفئته شتاءً وبرودته صيفًّا، عدا عن الهدر البنيويّ النابع من فضلاته. انّ العلاقة بين البيتِ وبيئته كما اوضحناها وما تضفيه البيئة المحيطة على البيت من اشكال ومواصفات تمنحه جوًّا مميّزًا وخصوصيّة تعبّر عن هذا التشابك، تطرحُ تساؤلات عديدة تتعلّق بنوع الرابط الذي يميزّ بين مجتمعات مختلفة او حتّى فئات متنوّعة داخل المجتمع الواحد. ليس فقط، تتيحُ هذه العلاقة كذلك قراءة نفسية الانسان من خلال عمليّة تكوين البيت والتي تُحتّم التطرّق لهذا التشابك وفحصه الذي امّا يُري تناغمًا كاملًا بين الطرفين او تشويهًا عميقًا يعبّر عن علاقة مبتورة بين التكوين الداخليّ والتكوين الخارجيّ للبيتِ. تطرح القطيعة بين تكوين البيت الداخليّ وعلاقته مع البيئة الخارجيّة المحيطة على المستوى الوجداني تساؤلات كثيرة تتعلّق بحالة الاغتراب التي شكّلتها ظروف تاريخيّة وسياسيّة غير مواتيّة. لا نأخذ بمسببات القطيعة مع المحيط البيئيّ كتسويغ لها، إلّا ان الخوض بها يمنح فرصة التعمّق والتوعية لها من اجل معرفة التعامل معها لتصويب العلاقة من جديد بين الذات البشريّة والبيئة الطبيعيّة المحيطة لها. المفارقة الاساسيّة تكمن في الافتراض بأن توفير ظروف تُعنى بخلق ثغرات في العلاقة المباشرة بين مجموعة سكانيّة معيّنة وبيئتها الطبيعيّة من شأنه وبشكل عكسيّ تعزيز العلاقة بين البيت والمحيط البيئيّ، الّا انّه في حالات أخرى محددة، التعامل مع البيئة على جميع مركباتها يعمّق من حالة الاغتراب التي تريدها سلطة حاكمة مع نوايا مبطّنة ومقاصد سياسيّة تعيشُ وتتغذى على هذا الاغتراب وهذه القطيعة التي تأخذ بالتوسّع بين والبيت والبيئة المحيطة. من هذه الحالات المحددة هي الحالة العربيّة في إسرائيل، التي تواجه تضييق لحيّز قراها العربيّ الجغرافيّ ومصادرة الموارد الطبيعيّة المحيطة بهذه القرى، وتحويلها بالتالي الى أراضي دولة تخدمُ التوسّع السكانيّ اليهوديّ في أغلب الأحيان. بعبارات أخرى، هي مصادرة المجتمع العربيّ حقّه بالتمتع بالطبيعة المحيطة له حدّ حرمانه منها، بينما هي المورد الاهمّ للحفاظ على التكامل السكانيّ في بيئة خضراء نقيّة بعيد عن زخم الحياة المدنية والكثافة السكانيّة الاخذة بالارتفاع بمستويات ودرجات خانقة. حالة الإهمال السائدة التي يشهدها الحيّز العام بكلّ ما يتعلّق بالطبيعة المحيطة بالذات في القرى العربيّة والتي قد تتمثّل بعدم رمي النفايات في الأماكن المخصّصة او عدم احترام الامتداد الطبيعيّ لمناطق جغرافيّة محيطة بالقرى، يعزّز السياسيات السلطوية التي تشكّلت بناءً على الادعاء الذي لطالما طرحته الادبيات الصهيونيّة ومفاده عدم صيانة العرب طبيعتهم، وعدم احترامهم بيئتهم المحيطة وتعاملهم بغير رفق مع الحيوانات التي تعيش بجوار أماكنهم السكنيّة. بالرغم من عدم صدقيّة وشرعيّة هذه الادعاءات، يبقى ملحًّا ان نطرح تساؤلات حول الشرخ القائم بين الاهتمام المتزايد في فن العمارة ومتانتها وجودتها كما تكوين البيت الداخليّ-الذي لا يترك ملابسات بخصوص تطوّر الوعي الوطنيّ والانسانيّ في المجتمعات العربيّة- وبين التعامل غير المفهوم والسليم مع الحيّز العام ان كان بعدم احترام المنشآت العامة، انتهاك حرمة الطبيعة التي تأخذ اشكالًا مختلفة أبرزها رمي النفايات في محيط القرى العربيّة وعلى وجه الخصوص في أماكن طبيعيّة لها عذريتها البيئيّة الجماليّة. يكفي المرور من وخلال المروج والوديان والهِضاب المحيطة والمجاورة للقرى، لنشهد حالة اهمال واسعة النطاق لا تنبع فقط من شحّ الموارد، بل بسلوك واعٍ يتوجّب اجتثاثه من جذورِه وهو رميّ النفايات والبقايا المتنوّعة من طعام فائض وبقايا عمار لعمليات صيانة وتجديد للبيوت في أماكن عامّة. هذا السلوك مؤسف وفيه مفارقة مضحكة ومبكيّة في ان واحدٍ تقع بين الاهتمام المتزايد بالعمارة والشكل الفنيّ للبيت وبين الازدراء والاهمال المبطّن والظاهر للمحيط البيئيّ الخارجيّ الذي تحوّل مع الأيام الى مكبّ نفايات كان من الممكن التخلّص منها في أماكن مخصصة لذلك. مقاولون كثر يحاولون اليوم التخلّص من نفايات بطريقة تتجاوز دفع الرسوم المنوطة برميها في مكبّ النفايات المعدّة لذلك، هذا عدا عن السلوك الاخذ بالتوسّع وهو رميّ نفايات خاصّة على هوامش الشوارع، السهول وهضاب طبيعيّة جميلة المعالم. لا تتركُ هذه الظاهرة المقيتة مجالًا للسؤال عن جدواها او تداعياتها بقدر ما تترك تساؤلًا في الأساس حول نفسية وذهنية الانسان التي خوّلته تدنيس قدسيّة هذه الطبيعة مقابل حرصه اللافت على قدسيّة بيته. بين الاهتمام الشديد في تكوين البيت الخاصّ واهمال البيت العام الشامل مما تبقّى من طبيعة جميلة مجاورة للقرى، يلزمنا ليس فقط فهم المسببات، بل بأخذ زمام المسؤولية الجماعيّة لاقتلاعها من جذورها لكيّ تعود على الجميع بالمنفعة الماديّة والمعنويّة والانسانيّة الوجدانيّة الأولى. انَّ التحوّل المنشود لاجتثاث هذه السلوكيّات والظواهر، منوط بتطوير وعيّ بيئي لدى المجتمع بمركباته المتعددة بشكل عام، ولكن كذلك الجيل الصاعد بشكل خاصّ، وليس ذلك من أجل جمال وصحّى الطبيعة المحيطة بنا فحسب، بل قبل ذلك من اجلّ الصحة النفسيّة للمجتمع بأكمله، وبالتالي سلوكيّاته المترتبّة عن صحّته والذي يستدلّ منها على الاقلّ في هذه المرحلة الحاليّة على وجود خلل في صميم علاقته بنفسه ومحيطه والتكامل الطبيعي المفترض بينهما. في نهاية الحديث، لا بدّ من تفكيك مغالطة فكريّة-نفسيّة تؤدي الى عدم احترام الحيّز العام وبانتهاج سلوكيات شاذّة متمثلة برمي النفايات والفضلات في الطبيعة المحيطة للقرى، من خلال التأكيد على عدم وجود فرق بين الخاصّ والعامّ في حقيقة وواقع بشريّ يتمّ به تعريف كلّ منهما من خلال الاخر. الارتباط بين الخاصّ والعام ليس منطقيًّا فحسب، بل هو واقعيّ في مفهومه بمعنى انّ لكلّ خاص هناك جزئية في العام المباشر وغير المباشر، كما لأجزاء من العام انعكاسات في الخاصّ. ولأننا نعيشُ في العام من اجل الشعور بالخاصّ والتنقل اساسًا به لا يتمّ الا من خلال العام، فلا ملابسة بأن العام جزء اساسيّ ان لم يكن الاساسيّ في الخاصّ، ولكيّ يتمّ الحيازة على الخاصّ بنا والاستمتاع به، لا بدّ من تعاملنا مع العام بنفس أدوات الخاصّ. هذا صحيح كذلك بالنسبة للحيّز والموارد والمنشآت العامّة داخل القرى وبدون أدنى شكّ للبيئة الطبيعة الخارجيّة من باب الضرورة الانسانيّة الاساسيّة أوّلا واخرًا.

بروفيسور أمل جمّال- عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة تل ابيب ومختص في النظرية السياسية.
شارك المقال

مقالات ذات صلة