مقالات مهنية

وزن النفايات: كم تزن بصمتنا البيئية؟

لم أفكر، قبل ذلك المساء، في أن أضع كيس النفايات المنزلية على الميزان. فنحن نخرج النفايات من البيت لكي نتخلص منها، لا لكي نعرف وزنها. لكن السؤال هذه المرة كان مختلفًا: كم تنتج أسرة صغيرة من النفايات في يوم عادي؟

كان الجواب نحو ثلاثة كيلوغرامات يوميًا، وهو ما يعني أن أسرة مكوّنة من أربعة أفراد تنتج 90 كيلوغرامًا شهريًا، وقرابة 1,095 كيلوغرامًا سنويًا، أي ما يزيد على طن من النفايات ينتجه منزل واحد خلال عام.

الرقم يستحق التوقف، لا لأنه كبير في حد ذاته، بل لأنه يكشف شيئًا عن الطريقة التي نعيش ونستهلك بها. فلم تكن البيوت الفلسطينية، في الماضي، تنتج النفايات بهذا الحجم. في البيت الريفي، كانت الأشياء تدخل في دورة استخدام طويلة. فبقايا الطعام تذهب إلى المواشي والطيور، والمخلفات النباتية تعود إلى الأرض، والأواني والأكياس يُعاد استخدامها، وما يتعطل كان يُصلح قبل أن يُستبدل.

لم يكن ذلك يُسمّى اقتصادًا دائريًا. كان، ببساطة، أسلوبًا اقتصاديًا في استخدام الموارد.

لقد تغيّرت الصورة، وأصبحنا نعيش وفق نموذج خطي: نشتري، ونستهلك، ثم نرمي. تصل المنتجات إلينا مغلّفة بطبقات من الورق والبلاستيك والكرتون، وكثير منها يُستخدم لفترة قصيرة قبل أن يتحول إلى نفايات. وتراجعت ثقافة الإصلاح لصالح الاستبدال.

المشكلة، إذًا، ليست في الحاوية وحدها. إنها تبدأ قبلها بكثير، عند اختيار المنتج وطريقة إنتاجه وتغليفه واستهلاكه. ومن هنا، يصبح وزن النفايات مؤشرًا على شيء أكبر من كمية ما نرميه: إنه مؤشر على حجم الموارد التي نستهلكها ثم نخرجها من الدورة الاقتصادية.

ولأغراض تقريبية فقط، وباستخدام معامل قدره 0.65 كغم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوغرام من النفايات المطمورة، وهو معامل مستخدم في بعض أدوات حساب البصمة الكربونية، فإن 1,095 كيلوغرامًا من النفايات تعادل نحو 712 كيلوغرامًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. ولا يمثل هذا الرقم معاملًا عالميًا ثابتًا، إذ تختلف الانبعاثات باختلاف تركيب النفايات وطريقة جمعها ومعالجتها ومصيرها النهائي، لكنه يوضح أن إدارة النفايات ليست مسألة نظافة عامة فقط، بل ترتبط أيضًا بالمناخ والموارد.

والأهم مما في الكيس هو ما كان يمكن ألّا يصل إليه.

بقايا الطعام، مثلًا، ليست مجرد مادة عضوية يجري التخلص منها؛ إنها تمثل مياهًا وأرضًا وطاقة وعمالة ونقلًا استُخدمت لإنتاج الغذاء قبل أن ينتهي في الحاوية. ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الغذاء في عام 2022، وكانت الأسر مسؤولة عن نحو 60% من هذا الهدر. كما يسهم هدر الأغذية وفقدها في توليد ما بين 8% و10% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، أي ما يعادل قرابة خمسة أضعاف انبعاثات قطاع الطيران بأكمله.

لهذا، فإن تقليل النفايات يسبق إعادة تدويرها. فالمنتج الذي لا نشتريه لا يحتاج إلى جمع أو نقل أو معالجة أو طمر. والطعام الذي لا نهدره لا يتحول إلى نفايات. والعبوة التي نعيد استخدامها لا تحتاج إلى تصنيع عبوة جديدة.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الفرد، لكنها لا تنتهي عنده، ولا يمكن تحميل الأسر وحدها مسؤولية أزمة النفايات. فالمنتج، والتغليف، والأسواق، والبلديات، والتشريعات، ونظم الجمع والمعالجة، كلها أجزاء من المشكلة والحل.

إدارة النفايات تحتاج إلى سياسة تبدأ من تقليل الإنتاج، ثم إعادة الاستخدام والفرز والتدوير، قبل الوصول إلى التخلص النهائي. وهذا هو الفرق بين إدارة النفايات وإدارة الموارد.

عندما وزنت كيس النفايات، كنت أبحث عن رقم يخص منزلي. لكن الرقم قادني إلى سؤال أكبر: ماذا تقول نفاياتنا عن نمط حياتنا؟

قد يبدو معدل ثلاثة كيلوغرامات يوميًا رقمًا ضئيلًا، غير أنه يتراكم ليتجاوز الطن سنويًا. ولو خفّضت الأسرة الواحدة كمية نفاياتها من 90 إلى 70 كيلوغرامًا شهريًا، لأسهم ذلك عمليًا في تخفيف العبء عن حاويات الجمع ومكبّات النفايات، والحد من استنزاف الموارد المستخدمة في مراحل الإنتاج والنقل والتخلص النهائي.

ربما نحتاج، قبل أن نسأل أين نضع النفايات، إلى أن نسأل سؤالًا أبسط: لماذا أنتجنا كل هذه النفايات أصلًا؟

فالمشكلة البيئية لا تبدأ عند باب الحاوية؛ إنها تبدأ عند باب البيت، وفي المتجر، وفي طريقة إنتاج الأشياء واستهلاكها. والميزان الصغير في المطبخ قد يكون كافيًا لكي نرى ما لا نراه عادة: أن ما نرميه ليس مجرد نفايات، بل جزء من حساب أكبر اسمه استهلاك الموارد.

علاء كنعان – كاتب وصحفي بيئي
شارك المقال

مقالات ذات صلة